أبي منصور الماتريدي

224

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وهو كقوله تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 125 ] ، والقرآن لم يجعل سببا لزيادة الرجس ، ولكنهم لما أحدثوا بغضا عندما تلى عليهم القرآن ، فحدث لهم بذلك معنى حملهم على ذلك الوجه ، فأضيفت تلك الزيادة إلى القرآن ؛ إذ عند ذلك حدث ذلك السبب الزائد في الرجس ، فنسب إليه على معنى المجاورة ، وقال الله تعالى : فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي [ المؤمنون : 110 ] وهم لم يكونوا منسيين ، بل كانوا مذكرين يذكرونهم مرة بعد مرة ، لكن بغضهم إياهم واتخاذهم سخريا أوقع لهم النسيان ، فنسب إليهم الإنساء ، فعلى ذلك لما أبغضوه واستثقلوا كلامه ودعاءه ، أحدث لهم ذلك البغض زيادة نفار وجحود ، ثم نسب النفار إلى الدعاء [ على ] الوجه الذي ذكرنا لا أن يكون الدعاء في الحقيقة منفر . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ، وقال في موضع آخر : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ . . . إلى قوله : فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ [ إبراهيم : 9 ] ، فيجوز أن تكون هذه الآية فيما يدعون رؤساءهم وأشرافهم والأجلة منهم ، فإذا دعاهم ردوا أيديهم في [ أفواه الأنبياء ] « 1 » عليهم السلام ، وضربوهم « 2 » على ما ذكر في الأخبار ، وأما الأتباع منهم ، والمقلدون لهم ، كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم ويغطون وجوههم ورؤوسهم ؛ كيلا يسمعوا كلامه فيقع شيء منه في قلوبهم ؛ لما حذرهم رؤساؤهم عن ذلك . أو يكون هذا في طائفة منهم ، وهذا في طائفة إذا كان أيس من قوم ، وأقبل على آخرين ، فاختلفت معاملتهم معه على ما كان من أمر نبينا [ محمد صلّى اللّه عليه وسلم ] « 3 » . ثم هذا يحتمل وجهين : أحدهما : على التحقيق على ما ذكرنا « 4 » ؛ ليؤيسه من الإجابة . والثاني : جائز أن يكون على التمثيل ، فضرب مثلهم في تركهم الإجابة مثل من جعل إصبعه في أذنه واستغشى ثيابه ؛ لئلا يسمع ولا يجيب ؛ وهو كقوله - عزّ وجل - : فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [ آل عمران : 187 ] ، ولم يوجد منهم نبذ ، ولكنهم أعرضوا عنه إعراض من ينبذه وراء ظهره ، وكذلك في قوله - عزّ وجل - : فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ على التمثيل ، وهو أنهم تركوا الإجابة إلى ما دعوا إليه كترك الإجابة من الذي يرد يده في

--> ( 1 ) في ب : أفواههم ، وهم الأنبياء . ( 2 ) في ب : وضربوه . ( 3 ) في ب : عليه السلام . ( 4 ) في ب : ذكرت .